كاراباخ ويكيبيديا | القصة الكاملة للصراع الأرمني الأذري،

يعتبر إقليم ناغورنو كاراباخ (الذي يُعرف بالأرمنية باسم "آرتساخ") إحدى أكثر بؤر النزاع تعقيدا في جنوب القوقاز، لعقود طويلة ظل الإقليم ساحة صراع دموي بين أرمينيا وأذربيجان، حيث تداخلت الأبعاد العرقية والدينية والتاريخية مع المصالح الجيوسياسية للقوى الإقليمية والدولية. في هذا المقال نستعرض جذور الصراع وتطوراته منذ الحقبة السوفيتية حتى سيطرة أذربيجان الكاملة عليه في عام 2023.
الجذور التاريخية لناغورنو كاراباخ
تعود جذور الصراع إلى عشرينيات القرن العشرين. ففي عام 1921 قرر المكتب القوقازي للحزب الشيوعي الروسي، بضغط من جوزيف ستالين، ضم إقليم ناغورنو كاراباخ ذي الغالبية الأرمنية المسيحية إلى جمهورية أذربيجان السوفيتية ذات الغالبية المسلمة الشيعية ومنحه صفة "منطقة حكم ذاتي".
لم يكن القرار قائمًا على أسس تاريخية أو ديموغرافية بل كان جزءًا من سياسة "فرّق تسد" السوفيتية لضمان الولاء للسلطة المركزية في موسكو، ورغم استقرار الوضع ظاهريًا خلال الحقبة السوفيتية، اشتكى الأرمن في الإقليم من سياسات تمييزية هدفت إلى تغيير التركيبة السكانية لصالح الأذربيجانيين.
حرب كاراباخ الأولى (1988 – 1994) انهيار الاتحاد السوفيتي
مع بداية تفكك الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينيات، عاد النزاع إلى الواجهة، ففي عام 1988 صوّت برلمان الإقليم لصالح الانفصال عن أذربيجان والانضمام إلى أرمينيا، ما أدى إلى اندلاع أعمال عـ نف عرقية واسعة.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 تحولت الأزمة إلى حرب شاملة بين الدولتين المستقلتين حديثًا، وانتهت الحرب في مايو 1994 بوساطة روسية وتوقيع "بروتوكول بيشكيك".
أبرز النتائج:
تفوق عسكري أرميني: سيطرت القوات الأرمنية على معظم الإقليم وسبع مناطق أذربيجانية محيطة شكّلت "حزامًا أمنيًا".
إعلان "جمهورية آرتساخ": أعلن الأرمن الانفصاليون قيام جمهورية مستقلة لم تحظَ بأي اعتراف دولي، حتى من أرمينيا نفسها.
كارثة إنسانية: مقتل نحو 30 ألف شخص ونزوح أكثر من مليون، معظمهم من الأذربيجانيين.
حرب كاراباخ الثانية (2020)
بعد أكثر من 25 عاما من الجمود والمناوشات، شنت أذربيجان في 27 سبتمبر 2020 هجومًا واسعًا أطلقت عليه اسم "عملية القبضة الحديدية"، استمرت الحرب 44 يوما وشهدت تفوقا عسكريا أذربيجانيا بفضل الدعم التركي واستخدام الطائرات المسيّرة الحديثة.
أبرز النتائج:
انتصار أذربيجاني حاسم: استعادت أذربيجان السيطرة على المناطق السبع المحيطة بالإقليم وأجزاء واسعة منه بما فيها مدينة شوشا الاستراتيجية.
اتفاق 10 نوفمبر 2020: اتفاق ثلاثي (روسي – أذري – أرميني) لوقف إطلاق النار. وصفه الرئيس الأذري إلهام علييف بأنه "وثيقة استسلام"، بينما اعتبره رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان "مؤلمًا للغاية".
أهم بنود الاتفاق:
احتفاظ أذربيجان بالأراضي المستعادة.
انسحاب القوات الأرمينية من باقي المناطق المحتلة.
نشر نحو 2000 جندي روسي لحفظ السلام وتأمين ممر لاتشين الذي يربط أرمينيا بما تبقى من الإقليم.
هجوم 2023 ونهاية جمهورية آرتساخ
رغم اتفاق 2020 استمر التوتر. وبعد حصار طويل لممر لاتشين شنت أذربيجان في 19 سبتمبر 2023 "عملية لمكافحة الإرهاب" أنهت وجود القوات الانفصالية خلال 24 ساعة فقط.
أبرز النتائج:
استسلام سريع: وافقت القوات الانفصالية الأرمنية على نزع سلاحها وحل نفسها بالكامل.
سيادة أذربيجانية كاملة: أعلن الرئيس علييف استعادة بلاده سيادتها على الإقليم بالكامل.
حل الجمهورية الانفصالية: في 28 سبتمبر 2023 وُقّع مرسوم بحل "جمهورية آرتساخ" ومؤسساتها اعتبارًا من 1 يناير 2024.
نزوح جماعي: فرّ أكثر من 100 ألف من السكان الأرمن إلى أرمينيا وسط مخاوف من أعمال انتقامية، واعتبر رئيس وزراء أرمينيا ما حدث "تطهير عرقي.
وضع إقليم كاراباخ الراهن
اليوم يخضع إقليم ناغورنو كاراباخ بالكامل لسيادة أذربيجان، التي بدأت بتنفيذ خطط لإعادة دمج المنطقة وتوطين الأذربيجانيين الذين نزحوا منها في التسعينيات، انتهى صراع استمر أكثر من ثلاثة عقود بانتصار عسكري وسياسي حاسم لباكو وتغيير ديموغرافي جذري في الإقليم، ليطوى بذلك ملف الكيان الانفصالي الذي نشأ عقب تفكك الاتحاد السوفيتي.
ورغم بدء محادثات بين أرمينيا وأذربيجان للتوصل إلى معاهدة سلام شاملة، فإن قضايا مثل ترسيم الحدود لا تزال عالقة وتشكل تحديًا أمام استقرار طويل الأمد في المنطقة.