ما هو جبل الباشان؟ اسمه اليوم، أصل التسمية، الشعوب التي سكنت جبل الباشان،
ما هو جبل الباشان الذي ذكرة حكمة الهجري في خطابة،
علاقة الدروز بجبل الباشان،

يمثل "جبل الباشان" اسما ذا عمق تاريخي وجغرافي وديني، يعود إلى آلاف السنين، ليعاود الظهور في العصر الحديث كرمز سياسي وهووي لمنطقة جبل العرب في جنوب سوريا، هذا المقال يستعرض لكم كادر عمل " موقع سعودي نبأ " تاريخ هذه المنطقة منذ ذكرها في أقدم النصوص وحتى اليوم، مرورا بتحولاتها الديموغرافية والحضارية.
أصل التسمية والجغرافيا
اسم "باشان" هو مصطلح عبري الأصل يعني "الأرض المستوية أو الممهدة". تاريخيًا، لم تكن باشان مجرد جبل، بل كانت منطقة جغرافية واسعة تشمل ما يُعرف اليوم بمحافظة السويداء (جبل العرب)، وسهل حوران، ومرتفعات الجولان، ومنطقة اللجاة الصخرية.
الحدود التاريخية: كانت تحدها من الشمال أراضي دمشق، ومن الشرق بادية الشام، ومن الجنوب أرض جلعاد (شمال الأردن حاليًا)، ومن الغرب غور الأردن.
الطبيعة الجيولوجية: تتكون المنطقة من صخور وأتربة بركانية، مما منحها تربة خصبة للغاية ومياها وفيرة، هذا الطابع البركاني واضح في "اللجاة"، وهي حقل من الصخور البركانية (اللافا) المتصلبة.
التسميات المتعددة: عُرفت المنطقة عبر العصور بأسماء مختلفة تعكس طبيعتها وتاريخها. أطلق عليها الآشوريون اسم "جيرانواي" (الأرض المجوفة)، والإغريق "تراخونيتس" (بلاد الحجارة)، والرومان "أورانتد". كما أطلق عليها العرب اسم "جبل الريان" لوفرة أشجاره ومياهه.
باشان في النصوص القديمة والتاريخ الديني
حظيت باشان بذكر متواتر في النصوص الدينية، خاصة التوراة (العهد القديم)، حيث ورد ذكرها حوالي 60 مرة، مما يعكس أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية في العالم القديم.
مملكة عوج الجبار: ارتبط اسم باشان بشكل وثيق بمملكة الملك الأموري "عوج"، الذي وُصف بأنه من آخر بقايا "الرفائيين" العمالقة. تروي نصوص سفر التثنية كيف انتصر بنو إسرائيل على عوج واستولوا على مملكته التي ضمت "ستين مدينة محصنة بأسوار شامخة". كان سرير عوج الحديدي، الذي بلغ طوله تسعة أذرع، رمزًا لضخامته وقوته.
رمز الخصوبة والقوة: كانت باشان مضرب المثل في الخصوبة والرخاء. اشتهرت بمراعيها الغنية ومواشيها القوية، حتى أصبحت "ثيران باشان" و"بقرات باشان" في النصوص الدينية رمزًا للقوة الغاشمة والغطرسة، كما كانت غابات بلوط الباشان شهيرة بجودتها وتُستخدم أخشابها في بناء السفن.
جبل الله: في المزامير، يُشار إلى المنطقة بعبارة "جبل الله، جبل باشان"، وهو وصف يُعتقد أنه يشير إلى "جبل حوران" (جبل الدروز حاليًا) بقممه الشاهقة التي كانت تحمي المنطقة من زحف الصحراء.
التحولات التاريخية والديموغرافية
شهد جبل العرب، قلب باشان القديمة، تحولات سكانية كبرى عبر تاريخه الطويل.
العصور القديمة: سكن المنطقة قديمًا شعوب كنعانية وأمورية، منهم الرفائيون. كما خضعت المنطقة لنفوذ الأنباط والرومان والبيزنطيين، الذين تركوا وراءهم آثارًا عظيمة لا تزال قائمة في مدن مثل السويداء (ديونيسياس سابقًا)، وشهبا (فيليبوبوليس)، وقنوات (كانثا).
موطن القبائل العربية: قبل الإسلام وبعده، كان الجبل موطنًا للعديد من القبائل العربية، أبرزها الغساسنة، ثم قبائل بني هلال وزبيد وطيء، وهو ما رسّخ تسمية "جبل العرب".
استقرار الموحدين الدروز: يُعتبر وجود الموحدين الدروز في الجبل حديثًا نسبيًا، حيث بدأت هجراتهم من جبل لبنان في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، وتزايدت بشكل كبير بعد أحداث عام 1860. وجدوا في تضاريس الجبل الوعرة ملاذًا آمنًا، مما سمح لهم بتأسيس مجتمع قوي ومستقل نسبيًا.
دولة جبل الدروز (1921-1936): خلال فترة الانتداب الفرنسي، تم إعلان "دولة جبل الدروز" (أو دولة السويداء) ككيان يتمتع بحكم ذاتي. إلا أن هذه التسمية رُفضت من قبل القادة الوطنيين السوريين، وعلى رأسهم قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، الذي أصر على أن الاسم الحقيقي والهوية الجامعة للمنطقة هي "جبل العرب"، وفي عام 1936، تم دمج الجبل رسميًا في الدولة السورية الموحدة.
استخدام حكمت الهجري مصطلح جبل الباشان في خطابة
عاد مصطلح "جبل الباشان" إلى الواجهة في أكتوبر 2025، بشكل لافت في خطاب سياسي وإنساني. أصدرت الرئاسة الروحية للموحدين الدروز في السويداء نداء عاجلا إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، استخدمت فيه اسم "جبل الباشان" للإشارة إلى منطقتهم.
هذا الاستخدام يحمل دلالات متعددة:
تأكيد على الهوية التاريخية: يربط حاضر المنطقة بماضيها التليد، مؤكدا على عمقها الحضاري الذي يسبق كل التقسيمات الحديثة.
خطاب عالمي: استخدام اسم توراتي معروف عالميًا يهدف إلى لفت انتباه المجتمع الدولي إلى الأزمة الإنسانية في المنطقة.
رمزية الصمود: كما كانت باشان مملكة قوية في الماضي، فإن استخدام اسمها اليوم قد يرمز إلى صمود أهل الجبل ورغبتهم في حماية أرضهم وتقرير مصيرهم.
يأتي هذا في سياق استخدامات أخرى للمصطلح في العصر الحديث، حيث أطلقت إسرائيل على عمليات عسكرية في المنطقة اسم "سهم باشان"، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية والتاريخية التي توليها لهذه الأرض ضمن سرديتها الخاصة.