من هو القائد العربي الذي فتح بخارى وسمرقند،
في سجلّات التاريخ الإسلامي، يبرز اسم قتيبة بن مسلم الباهلي كأحد أعظم القادة العسكريين الذين ساهموا في نشر الإسلام في أقاصي الأرض، فهو القائد الذي حمل راية الإسلام إلى عمق آسيا الوسطى، وفتح مدنًا مثل بخارى وسمرقند، وقاد جيوش الدولة الأموية إلى مشارف الصين، لم يكن قتيبة مجرد فاتح بالسيف، بل كان رجل دولة يتمتع بذكاء استراتيجي، وحكمة في الإدارة، وحنكة في التعامل مع الشعوب التي دخلت تحت حكم المسلمين، وفيما يلي سرد تفصيلي لمسيرته المذهلة، مبني على أمهات كتب التاريخ الإسلامي ومراجع المستشرقين المتخصصين في تاريخ الفتوحات الإسلامية.
من هو القائد العربي الذي فتح بخارى وسمرقند؟
الجواب هو:
قتيبة بن مسلم الباهلي.
ولد قتيبة بن مسلم بن عمرو الباهلي عام 49 هـ / 669 م في مدينة البصرة، من قبيلة باهلة العربية، وهي إحدى قبائل قيس الشهيرة. نشأ في بيئة عربية قبلية تتسم بالفروسية والولاء، ما أهّله لاحقا ليكون من أبرز القادة العسكريين في العصر الأموي. أظهر منذ صغره براعة في الفروسية، وتميز بسرعة الفهم والطاعة والصلابة، ما جعله ملفتا لأنظار القادة في العراق وخراسان، وعلى رأسهم الحجاج بن يوسف الثقفي.
البداية العسكرية والصعود نحو القيادة
بدأت مسيرته العسكرية الفعلية حينما أسند إليه الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، قيادة بعض الحملات في خراسان. وقد أدرك الحجاج طموح قتيبة ومهاراته القيادية، فاختاره عام 85 هـ / 704 م ليكون واليا على خراسان، وهي من أكبر أقاليم الدولة الأموية وأكثرها اضطرابًا. هذا التعيين لم يكن تقليديا؛ بل كان بداية مشروع ضخم يهدف إلى فتح كامل بلاد ما وراء النهر، وهي المنطقة الممتدة بين نهري جيحون (آموداريا) وسيحون (سير داريا)، وتضم أراضي أوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان الحالية.
فتح بخارى
بدأ قتيبة حملاته تدريجيا، فتمكن أولا من بسط السيطرة على طخارستان، ثم توجه نحو بخارى، إحدى أعظم مدن ما وراء النهر، والتي كانت مركزًا دينيًا وثقافيًا للزرادشتيين والصغد، واجهت حملته مقاومة شرسة، إذ إن أهل بخارى اعتادوا على الاستقلال وقاوموا العرب بشدة، لكن قتيبة بحنكته، قرر استخدام مزيج من القوة والتحالفات المحلية، حيث عقد صلحا مع بعض زعماء المدينة، وأعطى الأمان لمن استسلم، ثم أدخل الإسلام تدريجيًا عبر نشر القُراء والفقهاء. وقد لعبت هذه السياسة المعتدلة دورًا كبيرًا في استقرار المدينة واعتناق سكانها للإسلام، خاصة بعد أن أحسن المسلمون معاملتهم.
فتح سمرقند
في عام 94 هـ / 713 م، شنّ قتيبة حملة كبيرة لفتح سمرقند، عاصمة الصغد، التي كانت تعد من أعرق مدن آسيا الوسطى وأكثرها تحصينا، كانت المدينة تحت حكم ملك يدعى "غورك"، وقد رفض الخضوع للمسلمين، لكن قتيبة تمكّن من تطويق المدينة، وشن عليها هجومًا عسكريًا مدروسا، وبعد قـ تال عنـ يف، دخل المسلمون المدينة، وتم الاتفاق على صلح يبقي غورك حاكما عليها تحت سلطة الدولة الإسلامية، شريطة دفع الجزية وفتح المدينة للدعوة الإسلامية.
هذا الفتح كان من أعظم إنجازات قتيبة، لأنه أدخل الإسلام إلى قلب ثقافي وتجاري في العالم القديم، ولاحقًا، أصبحت سمرقند مركزًا من مراكز العلم والفقه الإسلامي، وموطنًا لأعلام مثل النسفي والسمرقندي.
الوصول إلى حدود الصين
لم يتوقف طموح قتيبة عند سمرقند، بل واصل زحفه شرقا حتى وصل إلى أطراف كاشغر، القريبة من حدود الصين الحالية، وقد أرسل رسالة تهديد إلى إمبراطور الصين عبر وفد رسمي، ما دفع الأخير إلى قبول شروط الصلح، ودفع الهدايا والاعتراف بنفوذ المسلمين في تلك المناطق. هذا الموقف يُبرز مدى قوة الدولة الإسلامية آنذاك، ومكانة قتيبة كقائد عالمي بمعايير ذلك الزمن.