ما هي موسوعة إيلون ماسك غروكيبيديا Grokipedia؟ خصائصها، طريقة عملها،

في خطوة جديدة تثير الكثير من الجدل والترقّب في آنٍ معاً، أعلن رجل الأعمال الأمريكي والملياردير الشهير إيلون ماسك في نهاية سبتمبر 2025، عن مشروع ضخم يحمل اسم "غروكيبيديا" (Grokipedia)، والذي يهدف إلى إنشاء موسوعة معرفية عالمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، كمنافس مباشر لمنصة ويكيبيديا، وجاء هذا الإعلان عبر منشور رسمي على منصة "إكس" (Twitter سابقًا)، حيث صرّح ماسك أن شركته xAI بدأت العمل على هذا المشروع، واصفا إياه بأنه "تحسين هائل على ويكيبيديا"، مضيفاً أن هذه الخطوة تمثّل تطوراً ضرورياً في مساعي شركته لفهم الكون.
هذا الإعلان لم يكن مجرد تصريح عابر، بل فتح باب واسع للنقاش حول مستقبل المعرفة الرقمية، ودور الذكاء الاصطناعي في إنتاج وتحرير المحتوى، وقدرته على تجاوز التحيّزات الأيديولوجية التي لطالما ارتبطت بمنصات كبرى مثل ويكيبيديا.
سبب محاولة ماسك استبدال ويكيبيديا
ليست هذه المرة الأولى التي يُوجّه فيها ماسك انتقادات علنية إلى موسوعة ويكيبيديا، إذ عبّر في أكثر من مناسبة عن انزعاجه مما وصفه بـ"التحيّز الأيديولوجي الواضح" في بعض مقالاتها، متهماً إياها بالخضوع لسيطرة مجموعات من النشطاء الذين يفرضون وجهات نظرهم على الحقائق، وقد استشهد ماسك تحديداً بحادثة جدلية عام 2022 عندما رفضت ويكيبيديا تعديل تعريف "الركود الاقتصادي" رغم الجدل الاقتصادي والسياسي الدائر وقتها، بالإضافة إلى تقييدها لاستخدام بعض المصادر مثل Fox News بدعوى عدم الموثوقية.
هذا السياق يعكس الرؤية التي يتبناها ماسك وداعموه، وهي أن الموسوعات المفتوحة الحالية، رغم قوتها، لم تعد كافية لضمان عرض المعرفة بشكل متوازن ومحايد، وهنا تأتي "غروكيبيديا" لتكون بديلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي بدلاً من البشر، ويُفترض أن تقدم معلومات موضوعية، متجددة، ومحايدة — على الأقل نظريًا.
ما هي Grokipedia وطريقة عملها
وفق التصريحات الأولية، ستكون غروكيبيديا موسوعة معرفية قائمة بالكامل على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا على البنية التحتية التي طوّرتها شركة xAI والتي تتضمن نموذج المحادثة المتقدم "غروك" (Grok). هذا النموذج تم إطلاقه في عام 2023، وهو مصمم ليتفاعل مع المستخدمين بأسلوب ساخر أحيانًا، لكنه مدعوم بمحركات معرفية ضخمة تعتمد على تحليل كميات هائلة من البيانات.
الغرض من استخدام Grok في مشروع Grokipedia هو إنتاج مقالات معرفية بشكل أوتوماتيكي، حيث سيقوم النموذج بجمع المعلومات من شبكة الإنترنت ومصادر البيانات المفتوحة، ثم يعيد صياغتها، يُصحح الأخطاء الشائعة، ويضيف سياقًا أعمق وفقًا لأحدث المعطيات المتوفرة. الهدف النهائي، بحسب ماسك، هو إنشاء موسوعة "حية" تتطور مع تطور المعرفة البشرية، وتبتعد عن القيود التحريرية والسياسية التي قد تعيق تدفق المعلومات.
أهم خصائص غروكيبيديا
مفتوحة المصدر: أي يمكن للمطورين الإطلاع على خوارزمياتها وتطويرها أو استخدامها بحرية.
متاحة دون قيود استخدام: لن تتطلب تسجيل دخول، أو اشتراكات، أو دفع مالي مقابل التصفح أو المساهمة.
مدعومة بتقنية Grok AI: نموذج الذكاء الاصطناعي الذي سيشرف على إنشاء المحتوى وتحسينه باستمرار.
تركّز على عرض وجهات النظر المختلفة: يُفترض أنها ستتيح عرض مصادر متنوعة للرأي الواحد دون فرض منظور وحيد.
هذه الخصائص تجعل غروكيبيديا مشروعًا طموحًا قد يغير طبيعة صناعة المحتوى المعرفي، خاصة في ظل ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كافة المجالات.
التحديات والشكوك
رغم الجاذبية التي يحملها مشروع غروكيبيديا من حيث التقنية والانفتاح، إلا أن العديد من المحللين والخبراء في مجالات الذكاء الاصطناعي والمعلومات الرقمية أبدوا تحفظاتهم على جدواه الفعلية وقدرته على تحقيق حيادية حقيقية.
أول: هذه التحديات يكمن في تحيّز الذكاء الاصطناعي ذاته، النماذج اللغوية بما فيها Grok، تُدرّب على بيانات مأخوذة من الإنترنت ومصادر معرفية موجودة مسبقًا، والتي قد تتضمن تحيّزات ثقافية أو سياسية أو اجتماعية. وبالتالي، فإن استبدال البشر بالذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة إزالة التحيّز، بل ربما إعادة إنتاجه بشكل غير مرئي وأكثر تعقيدًا.
ثانيا: هناك تساؤلات حول دقة المعلومات المنتجة. إذ أن الذكاء الاصطناعي معروف بقدرته على "اختراع" معلومات (ظاهرة تُعرف بالـ Hallucination)، مما يعني أن بعض المقالات قد تحتوي على مغالطات أو سرديات غير دقيقة دون أن يتم اكتشافها بسرعة، خصوصاً إن غابت عنها الرقابة البشرية الجماعية التي تميز ويكيبيديا.
ثالثا: تطرح المنصة تحدياً يتعلق بـالشفافية والمراجعة. ففي ويكيبيديا، يمكن لأي شخص تتبع تاريخ تعديل أي مقال، ومعرفة من قام بالتعديل ومتى، ومناقشة محتوى المقال في صفحات النقاش. فهل ستوفر غروكيبيديا نفس الدرجة من الشفافية؟ هذا ما لم يُكشف عنه بعد.
وأخيرًا: لا يمكن إغفال التحفّظ العام تجاه شخصية ماسك نفسها، فبينما يراه البعض رائدًا في الابتكار، يراه آخرون شخصية استقطابية قد تدفع مشروعا كهذا ليكون امتدادًا لأيديولوجيته الخاصة، وليس مشروعًا معرفيًا نزيهًا تمامًا.
هل تستطيع Grokipedia إكتساح ويكيبيديا
منذ تأسيس ويكيبيديا في عام 2001، تطورت لتكون الموسوعة الحرة الأكبر عالميًا، حيث تضم أكثر من 55 مليون مقال بـ300 لغة، وتُعد اليوم المصدر الأول للمعلومات للملايين حول العالم. تستند ويكيبيديا إلى نموذج مجتمعي تطوعي، حيث يُساهم الآلاف من المحرّرين من مختلف الخلفيات في كتابة المقالات، مراجعتها، وتحديثها باستمرار.
لكن هذا النموذج لم يكن خاليا من النقد، تشير بعض الدراسات إلى أن ما يصل إلى 20% من مقالات ويكيبيديا قد تحتوي على أخطاء أو تحيّزات خفية، خاصة في المواضيع السياسية أو الجدلية، رغم ذلك فإن وجود مجتمع نشط من المحرّرين والمراجعين يُشكّل حاجزاً قوياً أمام المعلومات الخاطئة، ويجعل عملية التصحيح مستمرة.
مقارنة بهذا النموذج، تسعى غروكيبيديا إلى تقديم نظام بديل قائم على الذكاء الاصطناعي، يفترض أنه أكثر سرعة، شمولاً، وحيادية. إلا أن نجاح هذا النموذج يعتمد بشكل كبير على مدى تطوّر خوارزميات Grok، ومدى تقبّل المستخدمين له كمصدر موثوق.
آراء الخبراء حول غروكيبيديا
أثارت فكرة غروكيبيديا تفاعلات واسعة بين الخبراء والمفكرين، فمنهم من اعتبرها خطوة ثورية نحو "تحرير المعرفة" من قبضة الحراس التقليديين، ومنهم من اعتبرها محاولة لتسويق منصات ماسك على حساب المنصات المفتوحة والحيادية.
حتى جيمي ويلز، المؤسس الشريك لويكيبيديا، لم يصمت، إذ انتقد ماسك بشكل غير مباشر، متهماً إياه بمحاولة تقويض الثقة بالمصادر الرقمية وتشجيع منصات تروّج لخطاب الكراهية أو المعلومات المضللة، في إشارة إلى ما يحدث على منصة "إكس".
من ناحية أخرى، يرى لاري سانجر، المؤسس المشارك الآخر لويكيبيديا، أن المشروع قد يكون ضروريًا، مشيرًا في مقابلات سابقة إلى أن ويكيبيديا نفسها لم تعد محايدة، بل تميل إلى إقصاء بعض وجهات النظر بحجة "عدم الموثوقية".